محمد جواد مغنية
710
عقليات إسلامية
وقال له ابن عباس : لا تخرج إلى العراق . قال الحسين : إن اللّه أمرني بأمر ، وأنا ماض فيه . قال ابن عباس : واحسيناه . . . أطلق ابن عباس صرخته الدامية هذه ، وهو لا يعلم أنها قد تجاوزت حدود الزمان والمكان ، وأنها ستحدث انقلابا في الأفكار والأوضاع ، وتتخذ شعارا للثورات والإنتفاضات ، ونشيدا للحرية والاستقلال ، وانها ستجري أبحرا من الدماء والدموع ، وتملأ الأجواء لهيبا من الآهات والزفرات ، وأن المواكب والمطابع والمنابر سترددها مدى الأجيال وإلى آخر يوم . وبعد ، فإن الحسين ( ع ) يحب الحياة ، ويكره الموت . . . ما في ذلك ريب . . . وإلا لم يكن عظيما ، لأن من تساوى في مقاييسه الموت والحياة لا يعدّ باذلا ومضحيا إذا أقدم على الموت ، وأي عاقل يتنازل عن حياته ، ويرضى بحزّ الرأس ، ورضّ الصدر والظهر وذبح الأطفال ، وسبي النساء إذا لم تكن العاقبة خيرا وأبقى . . . ولا شيء أفضل عاقبة من طاعة اللّه ، والتضحية وما أشبه من الذين ينتفع الناس بهم في حياتهم اليومية ، دون ان يكون لاعمالهم طبيعة الدوام والاستمرار ؟ . الجواب : ما من أحد يؤدي دورا في هذه الحياة الا ويترك اثرا نافعا ، وان لم يبد ظاهرا للعيان . . . إن العامل ، أي عامل عضو حي من المجتمع ، به وبغيره تحصل البشرية على غاياتها . . . وكثيرا ما يقيض اللّه السعادة للآخرين عن طريق واحد من هؤلاء البسطاء ، أو ينبه به غافلا ، أو يلهم به مفكرا ، أو يؤازر مصلحا .